مركز الوفـــاق الإنمائي للدراسات والبحوث والتدريب

2024/03/02 16:31
إقتصاد المستقبل الجديد

الاقتصاد الجديد ... إقتصاد المستقبل
    شهد العالم فى الثلاثة عقود الأخيرة تطورات وتغيرات سريعة على مستوى البحث العلمى والتطور التكنولوجى والتقنى وكذا تغيرات وتحديات على المستوى البيئى مما أدى إلى توجه العالم لنموذج اقتصاد جديد "إقتصاد المستقبل"، القائم على المعرفة والابتكار والرقمنة، وتشجيع الاستثمار في قطاعات الاقتصاد الجديد مثل الطاقة المتجددة والتكنولوجيا المالية المتقدمة والذكاء الاصطناعي والفضاء، ومن ثم تحقيق نمو اقتصادي مستدام قائم على العلوم والتكنولوجيا المتقدمة، وهو الاقتصاد الأكثر ذكاء ومن هنا يعتمد على القدرات والكفاءات العالية والمواهب المميزة، كما تتجه الرهانات إلى أن نمو الاقتصاد العالمى مرتبط بخلق المزيد من الفرص الاستثمارية فى المجالات المختلفة المرتبطة بقطاعات الاقتصاد الجديد والتى من بينها (الاقتصاد الدائرى والنمو الأخضر، التكنولوجيا، صناعة الفضاء، والطاقة المتجددة، الغذاء، الزراعة، والرعاية الصحية، النقل ..الخ) بالاضافة إلى الاستثمار فى تطوير البنية الرقمية وتوظيف تقنيات الذكاء الاصطناعى والواقع الافتراضى.


ماهو الاقتصاد الجديد ... اقتصاد المستقبل ؟!
تعريف/ أو مفهوم إقتصاد المستقبل يصف جوانب أو قطاعات الاقتصاد التي تنتج أو تستخدم بشكل مكثف تقنيات مبتكرة أو جديدة، وينطبق هذا المفهوم الجديد نسبيا بشكل خاص على الصناعات التي يعتمد فيها الناس أكثر فأكثر على أجهزة الكمبيوتر والاتصالات والإنترنت في إنتاج السلع والخدمات وبيعها وتوزيعها.
ومن هنا نؤكد أن الاقتصاد الجديد يعتمد على استخدام تكنولوجيا المعلومات والاتصالات والتطورات في مجال الروبوتات والذكاء الاصطناعي والطاقة المتجددة والتجارة الالكترونية وتبادل البيانات والمعلومات للسيطرة على العملية الاقتصادية بشكل أكثر كفاءة.
أى أنه الاقتصاد الذى يقوم على ركائز مهمة من بينها "تعزيز الابتكار والإبداع والتنافسية والتطوير المستدام للأعمال والاقتصاد" كما يعتبر الاقتصاد الجديد وسيلة لتحسين جودة الحياة وزيادة الفرص الاقتصادية للشعوب في جميع أنحاء العالم.
كما أن الجميع أدرك أن مصير الأمم مرهون بإبداع أبنائها، وقدرتهم على سرعة الاستجابة لمشكلات التغيير ومتطلباته، كجوهر لكفاءة وفعالية الإدارة للمعرفة، التي تعد العنصر القيادي في العملية الإنتاجية، فمثلا شركة "آبل" هى الشركة تقريبا الأكبر من حيث القيمة السوقية في التاريخ الصناعي الحديث، وهذا خير دليل على أن الثروة المعرفية أغلى من الثروات الطبيعية وغيرها، حيث نجد أن أجهزة الهواتف الذكية على سبيل المثال تباع بآلاف الجنيهات، وبالتالي فإن القيمة الحقيقية تكون في المعرفة والتقنية التي تشغل الجهاز وليس المواد الخام.

كما تجدر الاشارة إلى ما يعرف بإقتصاد المعرفة وأن هذا الاقتصاد نشأ من رحم رأس المال الفكري، الذي أصبح المولد والحاضن لغيره من الاقتصاديات الأخرى الناشئة مثل "الاقتصاد الرقمي واقتصاد الابتكار واقتصاد الفضاء"، كما يمكن تعريف "المعرفة" بأنها المرحلة النهائية من تحول البيانات إلى معلومات والتى تتحول بدورها إلى معرفة من خلال توفر بيئة معرفية ممكنة لهذا التحول مع ضرورة وجود ترابط عضوى ما بين البيانات والمعلومات والمعرفة، فجميع دول العالم وشعوبها تتحرك ووتتسابق نحو المفهوم الصحيح للاقتصاد المعرفي، والذى نراه ويتجسد فى المشروعات التنموية الضخمة ذات التقنيات العالية التي تتطلب الكوادر الفنية المؤهلة لإدارتها وتشغيلها، ومن هنا جاء الاهتمام العالمى بصناعة جيل المعرفة، لبناء اقتصاد مستدام ومتنوع وذي قيمة مضافة عالية، يمكنه من خلق وإنتاج رأس المال البشري المختزن والحاضن للأصول المعرفية ذات القيمة الإبداعية الابتكارية.
كما أن مفهوم اقتصاد المعرفة يرتبط إرتباطا وثيقا بالاقتصاد الجديد أو إقتصاد المستقبل حيث تمثل المعرفة وتقنياتها شعار المرحلة الحالية ووسيلة الانتقال لاقتصاد المستقبل، وأصبح نجاح أي مؤسسة أو دولة هو ما تمتلكه من مقومات استثمار المعرفة، فالمعرفة هي الأساس في أي نشاط بشري، وهذا يؤكد أنه أصبحت الأصول الرئيسية فى الاقتصاد الجديد هي المعرفة المتخصصة، والذكاء الاصطناعي، وكذا صار للذكاء الاصطناعي المتجسد في برامج الكمبيوتر والتكنولوجيا عبر نطاق واسع من المنتجات ذات أهمية تفوق أهمية رأس المال أو المواد أو العمالة، حيث كانت الأرض، والعمالة، ورأس المال هي العوامل الثلاثة الأساسية للإنتاج فى الاقتصاد التقليدى أو القديم، وقد عرفت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية  إقتصاد المعرفة بأنه "ذلك الاقتصاد الذي تعد فيه المعرفة المحدد الرئيس للإنتاج والنمو الاقتصادي من خلال التركيز على دور جديد للمعلومات والتقنية والتعلم فى تحقيق أداء إقتصادى متميز"، حيث تؤكد نظرية النمو الحديثة أن النمو الاقتصادي ناشئ عن العوائد المتزايدة المرتبطة بالمعرفة الجديدة، وأن إمكانية إنماء الاقتصاد بزيادة المعرفة بدلا من زيادة العمل ورأس المال يخلق فرصا للنمو غير المحدود نسبيا، ومن هنا تجدر الاشارة إلى أنه يقوم اقتصاد المعرفة على أربعة ركائز هي "التعليم والتدريب، البنية التحتية للمعلومات والتكنولوجيا، ونظام الابتكار، ونظام الحوافز الاقتصادية والنظام المؤسسي في الدولة".
ويعد ما يعرف باقتصاد صناعة المحتوى أو إقتصاد المبدعين أيضاً نموذج أو صورة من صور إقتصاد المستقبل وفيه يكسب صناع المحتوى ورواد العمل الإلكتروني المال مقابل عرض إبداعاتهم وبيعها عبر الإنترنت، وتشمل هذه الأعمال الإبداعية مقاطع فيديو اليوتيوب والبودكاست، وإنشاء وبيع الدورات عبر الإنترنت، والتسويق عبر وسائل التواصل الاجتماعي، والمدونات الإلكترونية، ويطلق على هذا الاقتصاد بأنه صناعة متنامية بمليارات الدولارات، ويعتمد عليه الكثير من مشاهير العالم، وفى الغالب يعتمد نجاحه على الشهرة والانتشار في العالم الافتراضي، لذلك اتجهت الشركات العالمية والعلامات التجارية إلى إتقانه والاعتماد عليه بشكل أساسى فى الكثير من أنشطتها.
ومن هنا يأتى التأكيد على أهمية إنتاج وإدارة المعرفة لبناء اقتصاد قائم على المعرفة مما يمكين الدول من التحول من دول "متلقية" إلي دول "منتجة"، وذلك من خلال الإهتمام بالاستثمار في التكنولوجيات المتطورة والتحول الرقمي ومن ثم تبني مفاهيم الاقتصاد الرقمي.
كما يرتبط مفهوم اقتصاد البيانات الجديد بإقتصاد المستقبل وهو إقتصاد يتميز بالقدرة والإمكانيات على جمع البيانات لتبادلها ومعالجتها وتحليلها باستخدام مجموعة من خوارزميات الذكاء الاصطناعى، كانت عضلات الإنسان هي المحرك الرئيس للاقتصاد في عصور ما قبل التاريخ، قبل أن يكتشف الإنسان الطاقة الميكانيكية، تليها طاقة البخار ثم النفط، ويبدو أن محرك الاقتصاد في المرحلة المقبلة لن يكون أيا من تلك القوى بل سيكون المعلومات والبيانات، ففي خلال ربع القرن الماضي اجتاحت الهواتف الذكية، وتكنولوجيا "واي فاي"، والروبوتات، ومجموعة من الانجازات التكنولوجية الأخرى جميع أنحاء العالم حيث أحدثت تحولات فى المجتمعات كافة، كما يتم حاليًا اختبار السيارة بدون سائق على الطرق، وتستطيع الروبوتات تحليل البيانات السريرية في الوقت الحقيقي وترشد الجراحين أثناء العمليات، كما أن القدرة والإمكانيات على جمع البيانات لتبادلها ومعالجتها وتحليلها باستخدام مجموعة من خوارزميات الذكاء الاصطناعى يتيح هذا للشركات تعزيز مكانتها في السوق، ومواصلة النمو والتوسع لكن ذلك ليس بالضرورة أن يكون على مستوى أعمالها التقليدية فقط بل بإمكان البيانات أن تولد تقنيات ونماذج أعمال جديدة تماما لم يتصورها أحد، مثلما أدى توفر بيانات نظام المعلومات العالمى "الأقمار الاصطناعية" إلى الاعتماد على نظام تحديد المواقع العالمي في قطاع رسم الخرائط اليوم، كما أن البيانات تعد وقود الاقتصاد الجديد، ومن ثم سوف تكون خوارزميات الذكاء الاصطناعي، والتي يتم تدريبها من خلال جمع البيانات الضخمة وتتبع “الآثار الرقمية” للبيانات، ذات طابع تحولي عالمي، كل هذا يؤكد أنه هناك مولد ونشأة لنظام عالمي جديد بناء على إجمالي ناتج البيانات، وسيكون هذا النظام العالمي الجديد مقياسا اقتصاديا لثروة وقوة الدول في المستقبل القريب، أما على مستوى الاقتصاد فنرى أن عمليات جمع البيانات وتبادلها ومعالجتها لم تعد مجرد أنشطة جانبية ترتبط بإنتاج السلع والخدمات، بل أدرك الجميع التأثير المضاعف للبيانات على الاقتصاد حتى أنها أصبحت إحدى محاور نمو العديد من الاقتصادات الناشئة.
ومن ناحية أخرى أدى تسارع التقنيات الرقمية في العالم مؤخرًا إلى حدوث تغيير جذري في مفاهيم الثورات الصناعية وقد سميت بـالثورة الرقمية والتي تضمنت سلسلة من التغييرات في الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية والثقافية ​والبيئية، حتى ظهر مؤخرًا مفهوم التحول الرقمي الذي يعتبر رحلة نوعية في مجال الاتصالات والخدمات الرقمية والمنصات، مما انعكس على عمق العلاقات وقوتها بين الدول والشركات والمجتمعات، ويتعامل هذا النوع من الثورات مع الآلة باعتبارها عقل مستقل يقبل التوجيه والتدخل البشري، حيث يجمع بين العالم المادي والافتراضي والبشري، مثل الإلكترونيات الدقيقة وهندسة البرمجيات، والاتصالات، وتقنيات المعلومات، بالإضافة إلى نوع جديد من التقنيات مثل الطباعة ثلاثية الأبعاد، وإنترنت الأشياء، والذكاء الاصطناعي، والبيانات الضخمة، والواقع الافتراضي وغيرها، كل هذا يطلق عليه الاقتصاد الرقمى وهو مفهوم يرتبط إرتباطا وثيقا بالاقتصاد الجديد أو إقتصاد المستقبل.

نخلص مما سبق أهمية المعرفة والابتكار والرقمنة فى الاقتصاد الجديد أو اقتصاد المستقبل حيث أنها تعد الركائز الأساسية التى يرتكز عليها مستقبل الاقتصاد بالعالم، كما يرتبط بالاقتصاد الجديد أو إقتصاد المستقبل العديد من المرادفات والمفاهيم التى تعد فى مجملها ترسيخا لتوجه العالم نحو الاقتصاد الجديد .. أو إقتصاد المستقبل من هذه المرادفات "الاقتصاد الرقمى، إقتصاد المعرفة، إقتصاد الابتكار، إقتصاد المبدعين او صناعة المحتوى، إقتصاد الفضاء، الذكاء الاصطناعى .... الخ" كل هذه المرادفات وغيرها من مرادفات ومفاهيم أخرى ترتبط بالمعرفة والتكنولوجية وتقنيات المعلومات والبيانات والرقمنة والذكاء الاصطناعى والعالم الافتراضى وغيرها هى أسس ووسائل وطرق مؤديه للاقتصاد الجديد ... إقتصاد المستقبل.
مع خالص تحياتى الطيبة لزوار وأعضاء المركز الموقر

دكتور / محمد عبدالقادر عطاالله
أستاذ الإقتصاد المساعد – مركز البحوث الزراعية
[email protected]
موبايل : 01060860637




 
أضافة تعليق