مركز الوفـــاق الإنمائي للدراسات والبحوث والتدريب
2014/09/22 20:34
المسنشرقون و الدراسات القرئانية
المستشرقون و الدراسات القرآنية
احمد بابانا العلوي
لقد تطرقنا في دراستنا حول مناهج المستشرقين في دراسة القرآن الكريم، إلى جوانب من أطاريح القوم و ما تضمنته بعض مؤلفاتهم  حول القرآن الكريم، من شطط و أحكام مبتسرة وحجج ضعيفة، تفتقر للدقة العلمية.
وغني عن البيان القول أن المستشرقين، قد شنوا على الإسلام معارك شرسة، وركزوا منذ منتصف القرن التاسع عشر على دراسة تاريخ القرآن: جمعه و ترتيبه، وقراءته وأسلوبه ورسمه...
وسوف نتناول في هذا القسم بعض القضايا التي أثارها زمرة  من كبار العلماء الاستشراف الذين تخصصوا في دراسة القرآن و علومه أمثال: ( نولديكه- وجولدزيهر وبلاشير- وجيفري..) وغيرهم...
 وهنا لابد من الإشارة بان الدراسات التي تتميز بالجد و العمق للإسلام، لم تبدأ إلا منذ القرن التاسع عشر ، حين ذاعت الثقافة الإسلامية في أوربا، وحين بسط الغرب الاستعماري سلطانه على البلاد الإسلامية.
عندئذ نهض كثير من علماء أوروبا لدراسة الإسلام و تراثه محاولين التعرف على سر حيوته و بقائه...
وكان اهتمامهم أولا بكتب المغازي و السير و التاريخ، ثم اخذوا في دراسة القرآن وعلومه، والفقه و أصوله ، وعلوم أصول الدين، و الفرق الإسلامية، و ما إلى ذلك من مظاهر الفكر الإسلامي. (1).
ونذكر من هؤلاء العلماء ارنيست رينان (E. Renan) صاحب كتاب ابن رشد ، والرشدية (ابن رشد و مذهبه)  جستاف لبون (Gustave Lebon) صاحب كتاب حضارة العرب la civilisation des Arabes.
ونولد بكه (t. Noldeke) المعروف بكتابه تاريخ القرآن   وكيتاني (Leon Caetani)مؤلف كتاب حوليات الاسلام و الأب "لامنس" (H. Lammens ) صاحب كتاب  معاوية و الإسلام وكاردي فو (Carra de vaux) صاحب كتاب مفكرو الإسلام (Les penseurs de L’islam) ومن بين هؤلاء الإعلام (ما سينون) و (نيكلسون) المشهوران بدراستهم في التصوف الإسلامي.
ومصطلح " مستشرق" له معنى ثقافي و علمي، فالعلماء هم المختصون باللغات والثقافات الشرقية، ومنذ نهاية القرن التاسع عشر، أخذ مفهوم "المستشرق" بالتغير في أوجه عدة، بحيث أصبح المستشرقون خبراء داخل المجتمعات الغربية، في جوانب معينة من الإسلام، و المجتمعات الإسلامية وقد خضعت الدراسات الإسلامية و خاصة الأكاديمية، إلى أساليب النقد الفيلولوجي (La Philologie) (فقه اللغة) و الأدبي والتاريخي، وأدى التحليل النقدي الفيلولوجي و الأدب المطبق على القرآن من طرف بعض الباحثين إلى إثارة العديد من الأسئلة، حول تاريخ القرآن و تأليفه.. (2)
وتجدر الإشارة إلى أن أول دراسة مفصلة للقران ظهرت في أواخر القرن السابع عشر، قام بها لودفيكو مراشي Ludovico Maracci) -1700-1612) بعنوان (Alcorrani universus -1698 (حيث تطرق مراشي إلى سيرة الرسول عليه السلام من خلال المصادر العربية وقدم في الجزء الثاني ترجمة للقرآن باللغة اللاتينية مع مقابلة للنص العربي زودها بشروح وتعاليق للمقاطع الغامضة..
ويمكن اعتبار عمل مراشي ، بداية لإنطلاق الدراسات القرآنية في أوروبا، إلا أن هذا العمل شابه الكثير من الأخطاء الفادحة والحجج الضعيفة التي تفتقر إلى الدقة العلمية و نفس هذه الأخطاء سنجدها بدرجات متفاوتة في كل البحوث و الدراسات حول القرآن التي قام بها المستشرقون، بعد ظهور كتاب مراشي.. (3)
لقد ترافق اهتمام المستشرقين بترجمة القرآن، إلى اللغات الأوربية بالقيام بدراسات حول النص تتوخى معرفة أوثق بمضمونه...، وذهبوا مذاهب شتى في تفسيره، وأتوا بتعليلات وتأويلات كلها تنساق في التشكيك في صحة القرآن و في أمانة نقله، و تبليغه، وجمعه و ترتيبه، وقالوا بأن النص نالته تعديلات بالزيادة، و النقصان، وذلك بالتشبث بالروايات الشاذة الموجودة في بعض المصادر القديمة، وخاصة تفسير الطبري والمتعلقة بالإختلافات المنسوبة إلى المصاحف الفردية لبعض الصحابة أمثال ابن مسعود و أبي بن كعب و علي بن أبي طالب، وابن عبد الله و موسى الأشعري...
وقد جمع المستشرق ارثر جفري (Jeffrey) هذه الروايات الشاذة والمنقطعة  ونشرها مع كتاب "المصاحف" لابن أبي داوود (ت.316هــ) بنية مبيتة للتشكيك في موثوقية  النص القرآني.
إنهم يتحاشون الاعتراف بأن القرآن جمع وفق منهج علمي رصين قوامه التوثيق والدقة والتثبت.
وخلافا لمزاعم"جفري" فقد ذكر السيوطي في كتاب " الإتقان في علوم القرآن" بان جميع الصحابة الذين ذكر "جفري" بعضهم في تقديمه كتاب " المصاحف" أجمعوا على المصحف العثماني، وتلقوه بالقبول و العناية و أخذوا بما تضمنه من الأوجه والقراءآت(4).
والواقع أن المسلمين يتمسكون منذ أربعة عشر قرنا بالمحافظة على الوحي القرآني لفظا و معنى، ومن نافلة القول أن فعالية مناهج البحث تعود إلى المصادر المعتمدة الأصلية الموثوق بها، لأنها وحدها توصل إلى إكتشاف الحقيقة العلمية و البرهنة عليها بصورة موضوعية..
 وقد اعتمد المنهج الاستشراقي المطبق في الدراسات الإسلامية و القرآنية، كما ذكر "مونتجمري وات M.watt) في كتابه " الوحي الإسلامي و العـالم الحديـــــــــــــث"  (Islamic Revelation in the modern world) بأن هذا المنهج  مؤسس على النظرة العلمية العقلية الحديثة القائمة على الاعتقاد، بإمكانية تطبيق طرقه في مجالات كثيرة..وفي نفس السياق يقول (رودي بارت Rudi Paret).
" نحن معشر المستشرقين، عندما نقوم بدراسة العلوم العربية والإسلامية، إنما لنبرهن على تقديرنا الخاص للعالم الذي يمثله الإسلام و مظاهره المختلفة، ونحن لا نأخذ كل شيء ترويه المصادر على عواهنه، دون أن ننعم فيه النظر بل لا نقيم وزنا، إلا لما يثبت أمام النقد التاريخي، المعيار الذي نطبقه على تاريخ الفكر عندنا.. (5)
 ومن ثم فإن المناهج الغربية الحديثة التي استخدمت، لتأويل القرآن، ترتكز على فقه اللغة (الفيلولوجيا) وعلم اللسانيات، مع ربط و تقاطع بالمنهج التاريخي النقدي...
وفقه اللغة علم يدرس اللغة من زاوية فلسفية وابستمولوجية  بهدف الكشف عن القوانين  التي تحكم اللغة واستعمالاتها بمعنى فهم المنطق الذي يحكم اللغات من أجل ضبط المعنى أو الدلالة.
إنه العلم الذي يدرس النص اللغوي، و التحليل المفهومي للقرآن..وقد مكنهم هذا المنهج اللغوي من اختلاق الفرضيات و النظريات  يستخلصوا منها ، ما يشاءون من نتائج تجانب الصواب (6).
 فالمناهج التي استخدموها، لا تؤدي إلى نتائج علمية في  الدراسات الإسلامية فقد قاموا بعملية إسقاط تعسفية لتصورات ذهنية و أطلقوا أحكاما عامة، لا تراعي خصائص الحضارة الإسلامية و مبادئها.
 إنهم يحاولون لي النصوص وتطويعها،  وتفسيرها وتحليلها لتتوافق مع أحكامهم المسبقة، من أجل الوصول إلى نتائج علمية افتراضية، لا تتفق بحال مع البحث العلمي النزيه..
فالباحث عندما يضع في ذهنه صورة فكرية معينة، لا وجود لها، من الناحية الفعلية، فإنه يجد لها المبررات من أجل إسقاطها على واقع الثقافي و الحضاري لتفسيره، وفقا لهواه ومزاجه و ثقافته و بيئته الدينية... (7)
لقد حاول المستشرقون إذن دراسة القرآن الكريم باعتبار أنه نتاج تاريخي وليس وحيا وعقيدة دينية مصدرها الإسلام...
فهم ينطلقون من منظور مادي للظواهر الفكرية التي يدرسونها، وعدم تقيدهم بالمقومات الدينية و العقدية أو الروحية نتيجة تأثرهم ببيئتهم الأوروبية التي تربوا فيها وأخذوا منها مناهجها وطرق معالجتها للحضارات، والأفكار الإنسانية وبكونها ترفض كل مصدر سابق للمعرفة باسم الوحي أو الدين أوالحدس..، والاعتماد على الفلسفة الوضعية وإخضاع الدراسات الإنسانية إلى مناهج العلوم التجريبية و لا ريب أن هذه المناهج لا تؤدي إلى نتائج علمية مستساغة عند تطبيقها على القضايا الإيمانية مثل الوحي والنبوة، و دورهما في حياة البشرية.. (8)
فالأبحاث و الدراسات التي أنجزت حول التراث الإسلامي خرجت عن المقتضيات المنطقية و المنهجية العلمية في معالجة  النصوص الإسلامية وذلك باعتمادها على مصادر خارجية و عوامل داخلية، بذل المستشرقون جهدا ضخما في تأصيلها باعتبارها مصادر للقرآن الكريم بالرغم أنها لا تصمد أمام النقد الموضوعي و البحث المتأني.. (9)
ضمن هذا السياق نشير إلى ما ذكره المستشرق هنري لامانس (Lammens)   بأن الرسول عليه السلام اعتنق الوحدانية و آمن بالبعث والحساب ووجد نفسه متفقا في هذه المعتقدات مع اليهودية والمسيحية و أنه مادام ليس هناك سوى اله واحد، فليس هناك إلا وحي الهي واحد، وأنه مدعو لنشر هذه الحقائق بين أبناء جلدته و بلغتهم ..أي صياغة الوحي العالمي باللغة العربية.. (10)
ويذهب بعض المستشرقين إلى القول بتأثر القرآن بالمذهب اليعقوبي الذي يقر بالطبيعة البشرية للمسيح، وفي هذا الصدد يرى المستشرق "نولديكه" في دراسته حول المصطلحات الدينية المعروفة لدى أهل الكتاب في الجاهلية و التي أقرها القرآن نتيجة تأثر الإسلام بالعهدين القديم و الجديد. (11)
أما المستشرق هوبرث جريم (H.Grimme) فيقول بأن محمد لم يكن في بداية أمره يسعى إلى التبشير بدين جديد وكان هدفه محصورا في إصلاح مجتمعه في مكة ومن هنا استخدم فكرة الحساب يوم القيامة كوسيلة للضغط على الأغنياء لقبول خطته الرامية في الإصلاح الاجتماعي..
ويقول المستشرق " منتجمري وات" بأن القرآن يندرج ضمن المؤلفات الناجمة عن الخيال الخلاق.  وهذه المؤلفات تستخدم رؤى وصورا للتعبير عما وراء المفاهيم الثقافية الانسانية. (12)
ويضيف "وات" بأن الأنبياء و المصلحين الدنيين يشتركون في هذا " الخيال الخلاق" طالما يعبرون، عن القضايا الأكثر عمقا  والمعبرة عن التجارب الإنسانية و يستطرد قائلا:  من وجهة نظري هناك خيال خلاق متدفق لدى محمد، وأن أعظم الأفكار الناجمة عن هذا الخيال صحيحة، وعادلة، و لكن ليست كل الأفكار القرآنية صحيحة وعادلة..(!؟)
إن "الوحي" أو الخيال الخلاق أسمى من تصرفات الإنسان العادية باعتبارها مصدرا لوقائع تاريخية مجملة.
 وإن  الخيال الخلاق فتح آفاقا عميقة، وأنتج أفكارا ارتبطت بالقضايا الرئيسية للوجود الإنساني، بحيث أصبح دينه يتمتع بجاذبية ليس في زمانه فحسب، ولكن خلال القرون التي تلته. (13)
ويذهب "جولد زهير" إلى إنكار الوحي الإلهي طبقا للرؤية الإسلامية ويرى أن ما جاء به النبي العربي ليس سوى مزيجا، منتخبا من معارف وآراء دينية، عرفها واستقاها بسبب اتصالاته بالعناصر اليهودية و المسيحية و غيرها. (14)
هذه بعض آراء الغالبية العظمى من المستشرقين حول ظاهرة الوحي و النبوة ومصادرها المفترضة..
 وهي في مجملها تفسيرات باطلة و مصادر تفتقر إلى الدليل العلمي الصحيح.
وآفة هؤلاء المستشرقين، ضيق الأفق العقلي فهم ينكرون الرسالة النبوية لأنهم لا يقدرون على تصورها في غير الصورة التي يرفضونها لأنها تتماشى في طبائعهم مع شهرة الإنكار التي تتسلط على عقول المسخاء من أدعياء العلم و التفكير. (15)
وقبل التطرق إلى المسائل التي تناولها كبار المستشرقين في دراساتهم للقران الكريم، وما أثاروه من قضايا حول مضامين النص القرآني.، وهنا  يجب الإشارة إلى مسألة هامة تتعلق بجمع القرآن وترتيبه على قاعدة التواتر الذي اعتبره علماء المنطق وعلماء الكلام وعلماء الأصول، طريقا قاطعا، من طرق النقل والتبليغ للخبر، يجعله ثابتا ثبوت اليقين...
وهو ليس راجعا إلى الكثرة ولا إلى عدد معين كما توهم بعض الباحثين، و إنما يرجع حسب تعريف علماء الأصول إلى كونه اتفاق عدد يستحيل تواطؤهم على الكذب...
واستحالة التواطؤ على الكذب لا تأتي من الكثرة العددية و إنما تأتي على اختلاف المبادئ، واختلاف الأفكار واختلاف المصالح، بحيث لا يكون للأطراف المتفق على خبر من الأخبار من المصالح أو من المبادئ ما يتفق مع ما يكون للطرف الآخر، مما يبعد عن الاتفاق قرينة التآمر أو التواطؤ أو الكذب أو الاختلاف..
ذلك هو الذي جعل التواتر طريقا قطعيا من طرق نقل الأخبار، فضلا على أن القرآن الكريم إنما نقل في أصله بالطريق الشفهي أي الحفظ و التلقي اللفظي وشيوع النص على الحفظ... (16)
 ولابد من التأكيد بأن القرآن هو الكتاب الوحيد بين الكتب السماوية الذي يوجد بلغته الأصلية أي لغة البيئة التي نزل فيها القرآن..
 في حين نجد التوراة (العهد القديم) مكتوبة باللغة الآرامية التي هي العبرانية الحديثة، وهي لغة نشأت في القرن الخامس قبل المسيح  باختلاط اللغتين الساميتين السريانية والعبرانية القديمة التي تعتبر لغة منقرضة، وبالتالي فنص العهد القديم الآن هو في لغة ليست لغة العصر أو البيئة التي ترجع إليها  أخبار الوحي التي اشتملت عليها كتب العهد القديم في ذلك العصر وتلك البيئة أي العبرانية القديمة، والتوراة الموجودة الآن ليست بالعبرانية القديمة، وهي في لغة منقولة إليها، تترجم عن النص الأصلي، و ليست اللغة التي تكلم بها موسى عليه السلام، إنها لغة لم تكن موجودة بحكم تاريخ اللغات في العصر الذي  نزل فيه الوحي على موسى..
أما بالنسبة لكتب العهد الجديد، نجدها بإحدى لغتين إما اللغة السريانية  و إما اللغة اليونانية وذلك باختلاف الأناجيل، وكل من هاتين اللغتين، ليست لغة المسيح عليه السلام، وليست لغة البيئة التي ظهرت رسالة المسيح فيها و العصر الذي أتى فيه المسيح بآياته، وبذلك تكون أيضا منقولة إلى لغات أجنبية، عن بيئة الوحي و أجنبية عن بيئة التنزيل، فالمسيح كان يتكلم الآرامية و هي  العبرانية المحدثة، في حين أن نصوص الإنجيل  لا توجد بالآرامية و إنما بلغتين منقول إليهما مترجمتين عن اللغة الأصلية. (17)
من هنا يتضح مدى الخلط الذي وقع فيه بعض المستشرقين الذين قاموا بمقارنات ومقابلات بين القرآن و هو نص أصيل في لغته و لفظه و معناه، وبين نصوص مترجمة أومنقولة أو كتبت بغير لغة صاحب الرسالة.
القرآن العظيم نوه بشأن بالكتب السماوية الأخرى و بين أنها اشتملت على الهدى  والنور وأحكام العبادات و المعاملات..
فإذا وضع القرآن موضع مقارنة موضوعية ، مع كتب الوحي السابقة على علاتها وبعيدا عن المجادلات الدينية، ولجأنا إلى فحص دقيق ودراسة معمقة لأركان الخطاب الديني (أي النص) و هي أربعة:

  • ركن الأسلوب.
  • ركن القصد.
  • ركن طريقة النقل.
  • ركن اللغة. (18)
لوجدنا أن القرآن إمتاز بخصوصيته عن غيره من الكتب السماوية من زوايا مختلفة تتلخص في ركنين أساسيين اللغة و الفكر.
فالقرآن الكريم كتاب أدبي وعقدي بنفس الدرجة.
الخطاب القرآني يتميز بكونه كنز من الأفكار التي تتكشف من ثنايا أسلوبه الرفيع، سواء تعلق الأمر بالجانب المعرفي والسلوكي، بهدف بناء منظومة القيم والأخلاق، التي تسمو بالإنسان إلى مراتب الكمال والخير والإصلاح، فالأخلاق مصدر القوة الروحية والنفسية وهي أرفع من القوة الآلية..
فالفضائل المثلى التي يحض عليها القرآن الكريم، هي التي ترتفع الى هذا المصدر وتجري في نسقه..
فالصبر و الصدق و العدل والإحسان و المحاسنة والأمر و الحلم و العفو و هي أمثال الكمال الذي يطلبه لنفسه المؤمن بمصدر هذه الأخلاق المثلى و كلها مما يحمد أن يروض نفسه عليه وان يطلب منه أوفى نصيب يتاح للإنسان من جميل الخصال والأفعال.. (19)
إن القرآن برسالته يقصد الإنسان حيث يكون حين يوجه نداءه إلى العقل و الذوق السليم، والشعور النبيل، إنها دعوة عالمية تهدف إلى تطهير العادات،و توضيح العقائد والتقريب بينها و إسقاط الحواجز العنصرية والوطنية، وإحلال قانون الحق  والعدل محل قانون القوة الغاشمة. (20)
والجدير بالملاحظة في هذا المقام أن الإيضاحات التي قدمناها أردنا أن نمهد بها لقراءات المستشرقين للنص القرآني، خاصة عند المستشرقين من أمثال غوستاف فيل وتيودير نولديكه ورتشارد بيل و بلاشير و جولد زهير ووليام مير وجريم وغيرهم...
 ولاشك بأن الحروب الصليبية، وحملات التبشير، والتهديد العثماني لأوروبا، كان لها أكبر الأثر في اهتمام المحافل الفكرية بدراسة القرآن، و التعرف على مضمونه..
وكانت صورة الإسلام في أوربا مطبوعة بالطابع التركي، وفي هذا العصر صدرت ترجمة ألمانية للقرآن قام بها "دفيد فريدرش مرغلين (Megerlin)عام 1772 بعنوان الكتاب المقدس التركي، (Dir. Turkische bibel).
كان ينظر الى القرآن من منظور الكتاب المقدس، ومقارنته به بحيث كان الهدف من  الانكباب  على دراسة القرآن أن يدافعوا عن المسيحية وقد حظي القرآن  باهتمام كبير من المستشرقين وبدا يكتسب من الدارسين طابعا مميزا..
واعترف ادم مولير (1858-1796) بأن القرآن الكريم كتاب ديني ذا نكهة خاصة وبأنه نشأ نتيجة لخبرة دينية أصيلة يعبر عنها بتأملات، تحرك المشاعر ويتغذى به الملايين الناس، ويهتدون بتعاليمه ولابد انه مستقى من منبع فياض. (21)
ووصف الشاعر لألماني غوته Goethe ترجمة مغرلين للقران 1772 بأنها " نتاج تعس" معبرا عن الحاجة الماسة إلى ترجمة أخرى ينجزها شخص مفعم بكل الأحاسيس الشعرية،  والنبوية، ويفقه كل ما يختزنه الكتاب من معان و قال في الديوان الشرقي بأن الأثر العظيم الذي تركه القرآن على النفوس، إنما يعود إلى أسلوبه الصارم الرائع.( 22)
لقد انصب اهتمام المستشرقين على وجوه التشابه، بين القرآن والكتب المقدسة الأخرى، وراحوا يفتشون في النصوص القرآنية لعلهم يجدون ما يستدلون به على احتمال تأثير القرآن بالإنجيل و التلمود..، وقد تبلورت هذه النزعة في القرن التاسع عشر، حيث اخذ البحث منحى علمي، فنشرت عدة دراسات حول هذه المسالة من بينها كتاب (السبر نجر Sperenger) " قصص الإنجيل في القرآن"- 1926)، وكتاب "أصل الإسلام في بيئة مسيحية -1926) لريتشارد بل (R.Bell) ومدخل إلى القرآن لنفس المؤلف.
لقد اتبع جل المستشرقين منهجا عاما، مفاده أن الرسول (صلى الله عليه وسلم) استقى أو استعار القصص والحكم والأمثال والصور المجازية من مصادر يهودية ومسيحية، وطبقا لهذه المزاعم فلابد له أن يكون عالما باللغات العبرية والسريانية، واليونانية وأن يمتلك مكتبة تضم نصوص التلمود و الإنجيل المختلفة.. (23)
من جملة الأمثلة التي أوردها المستشرق هير شفيلدHerschfeld) -1854)، الأمثلة التالية:

  • الآية 3 من سورة الرحمان : (الشمس و القمر بحسبان)
  • المقابل لها في سفر المزمر 136 (العهد القديم)
  • 8- لشمس لحكم النهار).
  • الآية 6 سورة الرحمان (و النجم و الشجر يسجدان)
يقابلها من المزمار : (9 - القمر و الكوكب لحكم الليل)
  • الآية 5 : (والسماء رفعها) يقابلها ( 5 الصانع السماوات بفهم)
  • الآية 8 : (والأرض وضعها للأنام) يقابلها (6 الباسط الأرض على المياه).
  • الآية 11 من سورة النحل: (ينبت لكم به الزرع و الزيتون والنخيل والأعناب ومن كل الثمرات، إن في ذلك لآية لقوم يتفكرون) يقابلها المزمار 104 الإصحاح -14(المنبت عشب للبهائم و خضرة لخدمة الإحسان لإخراج الخير..).(24)
لقد بذل المستشرقون جهودا جبارة لإثبات مزاعمهم، و ادعاءاتهم لإيجاد تشابه وتوازي بين نصوص القرآن، و نصوص الكتب الأخرى حيث لا يوجد أي مجال للمقارنة.
لقد أكد (هرشفليد) في كتابيه (العناصر اليهودية في القرآن- 1878) و مساهمات لشرح القرآن -1886) بأن القرآن ما هو إلا نسخة مزورة من الإنجيل.. و توقف (جاكوب بارت J. Barth) في كتابه (القرآن تعليق و تطابق- 1971) عند كلمة "حطة" الواردة في الآية 58 من سورة البقرة (وقولوا حطة نغفر لكم خطاياكم و سنزيد المحسنين) قال بأن الكلمة عبرية أو ذات أصل عبري دون أن يقدم أي دليل، على ذلك.
المفسرون، شرحوا الكلمة وهي عربية بمعنى اغفر لنا أخطاءنا ( أي حط عنا أوزارنا).
والحطة في لسان العرب، نقصان المرتبة (أي الإسقاط) وترجمها بلاشير في ترجمته للقران (قولوا حطة : Dites Pardon) : طلب العفو والمغفرة)  ويرى (مكدونالد) أن الآية 35 من سورة النور (الله نور السموات و الأرض مثل نوره كمشكاة فيها مصباح ، المصباح في زجاجة..يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار نور على نور يهدي الله لنوره من يشاء).
بأن الآية ذات علاقة بنور الكون، الذي ذكر في الإنجيل، و ما جاء في إعلان مجمع نقيا أن الله نور يأتي من نور.
وأورد (جوزيف هورفيتز J.Horovitz ) في كتابه (أسماء الأعـــــلام اليهوديـــــة في القرآن - 1925) أن الكلمات القرآنية: ( المعتكفات، أمر، أمانة، بركة، تبارك، بهيمة، مثاني، خلاص، رب العالمين ، سكينة، صدقة، عبادة، قيوم، كفارة، ماعون، منهاج، جبار، قدوس، سورة، نبوة، بعير، عبادة، بور، صديق، جنات عدن، تزكى). بأنها مشتقة من العبرية تعلمها محمد من اليهود، في مكة و المدينة. (25)
والملاحظة التي يجب التأكيد عليها، وهي أن اللغة العربية لغة سامية، مما يجعل لها جذورا مشتركة مع العائلة اللغوية وهذه ظاهرة عامة تحكم كل اللغات ، فالصحيح أن الجذع اللغوي، واحد بين اللغات السامية كلها..
وإذا ما أخذنا بعض الكلمات التي ذكرها (هروفتز) سوف  نتبين بأن ادعاء المستشرقين لا أساس له من الصحة.
يقول بأن كلمة خلاق مشتقة من الكلمة الآرامية (حولاق Hulaq) فهذا أمر طبيعي باعتبار الأصل اللغوي واحد.
يتطرق هروفتز إلى كلمة "بعير" وقال بأنها مأخوذة من العبرية (بيعير Be ir) وقد وردت في سفر التكوين، و معناها حمار..، وفي لسان العرب فان كلمة (بعير) تعني أما الجمل، وإما الحمار، فالكلمة الواردة في سورة يوسف كلمة عربية، وكانت شائعة قبل الإسلام بمعنى الجمل أو الحمار..
أما كلمة (سورة) الواردة في سورة التوبة و النور.. (السورة: المنزلة الرفيعة، وسور المدنية حائطها المشتمل عليها)، وسورة القرآن تشبيها بها لكونها محاطا بها إحاطة سور المدينة وتعني أيضا (قطعة مفردة، من جملة القرآن) وقوله تعالى (سورة أنزلناها) أي جملة من الأحكام و الحكم.
ويقول نولديكه بأن كلمة (سورة) مشتقة من الكلمة العبرية  (Shura)حيث المراد بها الخط، الصف، أو الطابور، ولم ترد بمعنى الفقرة من كتاب، ويرى هيرشفيلد بأن كلمة (سورة) آرامية Sidra.
وتطرق العديد من المستشرقين إلى كلمة "فرقان" فقال بعضهم بأن أصلها من السريانية (فرقانا Furqana أو الآرامية (فرقانFurqan) وان المراد بها الإنقاذ (Salvation) حسب ترجمة بلاشير.
ويرى رودي بارت بأن كلمة (فرقان) الواردة في الآية 48 من سورة الأنبياء (ولقد أتينا موسى وهارون الفرقان، وضياء وذكرا للمتقين) بأنها مبهمة..
ويقول رتشارد بيل في كتابه (مدخل إلى القرآن- 1953) بأن  اشتقاقها من المصادر المسيحية، ولكن محمد مزجها باللفظ العربي (فرق) لتسهيل  التفريق بين إتباعه وغيرهم من الرافضين لدعوته.
 يتضح مما سبق تهافت المستشرقين فهم يلجأون إلى تصورات من صنع الخيال لتبرير مواقفهم وخير مثال على ذلك ترجمة كلمة (فرقان) بمعنى (Salvation) هي مشتقة من (Sauver-Sauveur-Salvatrice)  وتوحي إلى معنى الإنقاذ والمنقذ عند المسحيين في حين إن كلمة الفرقان العربية مصدرها فعل فرق، ويدل على التفريق بين الحق والباطل، وبين الرشد والضلال وتطلق أيضا على القرآن : (تبارك الذي أنزل الفرقان) الفرقان: 1 (شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان) البقرة : 85.
 فالقرآن هو الكتاب الذي يقرر بأحكامه ودلائله الحجج التي تكشف عن الحقائق للهدي، و هو المقياس للمسؤولية و احتمال التبعية، الفردية، و الجماعية و كل ما ينطوي بها من تكليف من تكاليف الدين، وكل فضيلة، من فضائل الأخلاق يهتدي بها الناس كافة في معارج الرفعة و الارتقاء..
ومن القضايا التي تناولها المستشرقون مسالة أمية النبي عليه السلام، و أثاروا حولها الكثير من الشبهات و الاستنتاجات الغير الدقيقة بهدف التشكيك في صحة القرآن الكريم و إظهاره انه من إنشاء النبي اخذ بعض تعاليمه من مصادر شفوية، ثم أعاد صياغته..
وقد ورد في القرآن الكريم ذكر لفظ أم و أمة و أمي و أمين.
ولا بد من فهم المعنى الدلالي لهذه الألفاظ من منطلق أن اللفظ إنما هو وسيلة لتحصيل المعنى المراد أو المعنى المقصود.
فألفاظ القرآن كما يقول الراغب "الأصفهاني" هي لب كلام العرب وزبدته وواسطته، وعليها اعتماد الفقهاء و الحكماء في أحكامهم وحكمهم..، وقد تضمنت آيات القرآن بدائع العبارات، ودقائق الإشارات و الدلالات التي جعلت من المصطلح القرآني في جوهره أدق تعبير و أصدقه عن الطفرة الدلالية التي أحدثها القرآن الكريم في لغة العرب، في مجال  الاستعمالات اللفظية و التركيبية،  فاللفظة تضرب بجذورها  في الإحاطة، نظرا للنظم البنائي والمعماري الذي تنفرد به الأمر الذي يرتقي بدلالتها إلى مستوى المصطلح المحكم الدقيق و الطابع المرجعي الذي يحكم دلالتها حيثما وجدت في القرآن..( 27)
فدراسة الألفاظ إذن هي المفتاح للنفاذ إلى المعاني الدلالية..، فلكل لفظ من ألفاظ القرآن دلالة تكشف عنها القراءات المتدبرة..
فكيف تناول المستشرقون ما ورد في آيات القرآن الكريم حول " الأمي" و"الأميون".
 قال تعالى: (هو الذي بعث في الأميين، رسولا منهم) الجمعة 2 . (ومنهم الأميون لا يعملون الكتاب إلا أماني) البقرة 78 . (النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل) الأعراف 157.
تناول المستشرق (سبرنجر A. Sprenger) الموضوع في كتابه " حياة و عقيدة محمد -1861) يقول بأن الشعوب قبل بعثه الرسول كانوا منقسمين إلى آهل الكتاب والأميين (الوثنين) و يضيف بأن معنى " أمي"   «Gentils » التي تقابل وثني أو غير اليهودي.. ويخلص إلى أن الأمي يستطيع القراءة و الكتابة..
نفس الكلام يتردد لدى فنسك « A.Wensink » و هروفتز » «« Horovitz وبلاشير، ورودي بارت Rudiparte »  « و غيرهم.
يرى فنسك بان لفظ " أمي" يطلق على غير " أهل الكتاب" وان الكلمة مشتقة من كلمة امة بمعنى الشعب الوثني (Ethnicos) مقابل Goi العبرية.
إن كلمة " جويم" تعني بصفة عامة أمم في اللغة العبرية وقد تعود إلى " عومان" حسب الموسوعة اليهودية.
إن لفظ "جويم" لم يكن منتشرا في الجزيرة العربية قبل الإسلام وبالتالي فإن ما طرحه فنسك غير دقيق وإن لم يكن خاطئا جملة. (28)
قام هيروفتز «« J.Horovitz » ببحث عن مرادف لكلمة "أمي" في اللغة العبرية فتناولها  في كتابه (أسماء الإعلام اليهودية و مشتقاتها القرآنية) « Jewish Proper Names and Derivatives in the Koran »  وكذلك في كتاب "المباحث قرآنية" يدعي أن  كلمة "أمي" معناها وثني، وإنها مرادف للعبارة العبرية " امة ها علام" أي الشعوب الأخرى، مقابل اليهود الذين يعتبرون أنسفهم في وضع متفوق..
ويرى فرنز بهل (F.Buhl) بأن كلمة  "أمي" مشتقة من كلمة أمة التي تقابلها باليونانية كلمة  لا يكوس (Laikos) أي الذي ليست له دراية بأمور الدين، و يضيف بأن محمد (ص) كان يجيد القراءة والكتابة، ولكنه لم يقرأ الكتاب المقدس، وإنما عرف مضامينه من خلال العلماء الذين كانوا يدرسونه..
أما المستشرق نللينو (Nallino) فيرى أن كلمة "أمي" من " امة" عربية بمعنى أن محمد مبعوث إلى العرب فقط.. متجاهلا ما جاء في القرآن الكريم (قل يأيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا) الأعراف : 158
وقوله تعالى: (وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيرا و نذيرا..) سبأ. (28)
وفيما يتعلق بكلمة الأميون الواردة في الآية 78 من سورة البقرة ومنهم أميون لا يعلمون الكتاب إلا أماني و إنهم إلا يظنون) يرى سبرنجر وفنسك وبلاشير وبارت وغيرهم أنها مرادف لكلمة (Gentils) وهي ترجمة لكلمة جوا) (Goi العبرية، وفسروها بالذين لا يعرفون الكتب السماوية أما معنى الآية أي أنهم لا يعملون الكتاب إلا تلاوة و ترتيلا، ويقول ابن تيمية (ت 728 هــ) بأن المقصود بقوله (ومنهم أميون) أي غير عارفين بمعاني الكتاب يعلمونها حفظا و قراءة بلا فهم، و لايدرون ما فيها.. وقوله (إلا أماني) أي تلاوة لا يعلمون فقه الكتاب، وإنما يقتصرون على ما يتلى عليهم. (30)
إن المعنى الأول لكلمة أمي يعني أن النبي (ص) ينتمي إلى امة لم يكن لديها كتاب تقرأه .
يقول تعالى : (وما كنت تتلو من قبله، من كتاب ولا تخطه بيمينك إذا لارتاب المبطلون) العنكبوت 48.
إن الأمي مشتق من كلمة أمة بمعنى أمة كانت في مجملها أمية أي أن الكتابة تكاد تكون منعدمة بينهم.
يقول إسحاق الزجاج (ت 311هــ) بأن الأمي هو الذي ولد على خلقة الأم ( أي كما ولدته أمه) لم يتعلم الكتابة لأن الكتابة صفة مكتسبة، وكلمة "الأم" تعني كل ما كان أصلا لوجود شيء أو تربيته أو إصلاحه، وكل شيء ضم إليه سائر ما يليه يسمى أما (وإنه في أم الكتاب) الأعراف 4.
أي اللوح المحفوظ (لتنذر أم القرى و من حولها) الأنعام 92.
( وأزواجه أمهاتهم) الأحزاب 6.
والأم قيل أصله أمهة لقولهم جمعها أمهات، والأمة كل جماعة يجمعهم أمر ما (دين أوزمان أو مكان واحد..) وجمعها أمم (إلا أمم أمثالكم) الأنعام 22 (كان الناس أمة واحدة) البقرة 213 (إن إبراهيم كان أمة قانتا لله) النحل 120 أي قائما مقام جماعة في عبادة الله.
فالأمية إذن هي حالة من التقليد الاجتماعي والركود الفكري و الجهل المعرفي والخمود الروحي، وعدم القدرة على القراءة و النفاذ إلى منطوق الكلام و مقاصده و إلى دلائل الألفاظ و معانيها، تلك هي الأمية التي جاء النبي الأمي ليخرج الناس من ظلمات الجهالة  إلى هدى أنوار المعارف و معارج الفضائل.
لقد أجهد المستشرقون أقلامهم غاية الجهد في استقصاء الرسالة المحمدية و دلائل نبوته وذهبوا مذاهب شتى و اتفقوا في الرأي و الهوى بين تفسير الإيمان و تفسير العيان وتفسير المعرفة و تفسير الجهالة.
ولكن الشيء الذي لا اختلاف فيه مما يقبله العقل قبولا سائغا بغير عنت ولا إكراه هو أن محمد (ص) النبي الأمي كان مستكملا للصفات، التي لا غنى عنها، في إنجاح كل رسالة عالمية من رسالات التاريخ التي تدعوا إلى تحرير ضمير الإنسان و عقله.
ومن جملة القضايا الإستقصائية التي انصبت عليها المباحث  الاستشراقية قضية تاريخ القرآن الكريم أي كل ما يتمحور حول جمع  القرآن  وترتيب السور والأسلوب القرآني..
ومن أبرز علماء الاستشراق الذين أنجزوا دراسات في تاريخ القرآن، (غوستاف فايل Weil) - (1885-1818)  وتيودور نولديكه (1930-1836)  وجولد زهير (1921-1850) ورتشارد بل R.Bell (ت1956) و بلاشير وغيرهم.
خص فايل القرآن الكريم  ببحث عنوانه القرآن مقدمة تاريخية  نقدية) استعرض فيه العقائد الإسلامية كما تم التنصيص عليها  في القرآن (الوحدانية، و النبوة، والبعث، والحساب) وقام بدراسة مسألة ترتيب القرآن في المصحف العثماني،  وقسم  السور المكية إلى ثلاثة أقسام، واستنتج، من قراءته لتلك  السور أن النبي كان يعرف القراءة و الكتابة.. واعتبر أن القرآن هو نتاج البيئات اليهودية و المسيحية، في الجزيرة العربية، ومحيطها في القرن السادس الميلادي..، مع التأكيد على وحدة النسق القرآني ، و انتظام عالمه الموضوعي والمصطلحي.. (31)
أخذ نولديكه من فايل، طريقته في تقسيم سور القرآن وترتيبها وقد تناول هذا الموضوع في أطروحته للدكتورة بعنوان (الأسلوب التركيبي للقرآن) سنة 1856 ثم نشرها في كتاب بعنوان تاريخ القرآن سنة 1860 ) وقد كلف تلميذه شفالي  (schvvally) بمراجعته فقام بصياغته مراعيا في ذلك ما صدر من بحوث جديدة حول القرآن..
 صدر الجزء الأول سنة 1909 وتوفي شفالي سنة 1919 فتكفل (أوغست فيشر) بإصدار الجزء الثاني  سنة 1920 وأشرف المستشرق برغستراسر (Bergstrasser) على الجزء الثالث إلا أنه توفي سنة 1934 فقام اتو برتزل (Pertzl) بإكمال الجزء الثالث الذي صدر سنة 1937.
 يتضمن الجزء الأول من تاريخ القرآن لنولديكه الأبواب التالية:
"نبوة محمد و مصادر نبوته، اثر اليهودية، و المسيحية فيه، مصادره المكتوبة والشفوية انتشار الكتابة العربية والكتابة المبكرة للقرآن، الناسخ و المنسوخ.." (32)
وقبل أن نعرض لأهم القضايا التي تناولها نولديكه في أطروحته التي تعتبر مرجعا أساسيا في البحوث الاستشراقية حول تاريخ القرآن و علومه، تجدر الإشارة إلى ما قاله نولديكه في  مقدمة الطبعة الثانية التي اشرف عليها شفالي :

  • يقول نولديكه بأنه  يود من العلماء أن يعيدوا النظر فيما ورد في كتابه وأنه كان يريد مراجعة الكتاب بنفسه بصورة ترضيه إلى حد ما، إلا أن أسبابا (صحية) حالت دون ذلك، فكلف تلميذه شفالي  بذلك، فقام بقدر الإمكان بجعل الكتاب مراعيا، المستلزمات الحاضرة  إلا أن الآثار الصبيانية الوقحة التي تسربت إلى الكتاب لا يمكن محوها  بالكلية إلا بإعادة تأليف الكتاب من جديد "لأن بعض ما قلته حينذاك بقليل أو كثير من الثقة، انعدمت ثقتي به، لاحقا". (33).
يتضح مما قاله صاحب الكتاب أنه لم يعد واثقا من نتائج بحثه التي ضمنها كتابه..فما هي إذن خلاصة التحقيقات والآراء الواردة في الكتاب والتي لم تعد محل ثقة العالم والباحث المحقق بعد نصف قرن من إنجازه لأطروحته.
ينطلق نولديكه شأنه شأن جميع المستشرقين  من أن نبوة النبي عليه السلام مستمدة من مواريث أنبياء بني إسرائيل.
والكتاب يندرج ضمن محاولة علمية لاستكشاف مضامين القرآن، بواسطة ربطها بشخص النبي..و ذلك من خلال طرح التساؤلات حول الظروف التاريخية التي أحاطت بنزول القرآن وروايته عبر التاريخ..
استخدم المنهج الفيلولوجي و التاريخي أي أنه مزج بين المنهج التاريخي وفقه اللغة بغرض إقامة رابطة سببية بين النص و الحدث التاريخي..
فالفيلولوجي يعتبر أن النص مكون من ألفاظ، ومفردات وانه بإرجاع المفردات إلى أصولها، مقارنة باللغات السامية يمكن الوصول بالنص إلى اكبر قدر من الوضوح.
كما ان وضع النصوص في سياقها التاريخي يسمح باستجلاء الخطاب الذي تبشر به.
فالكتاب يركز على دراسة القرآن من شتى النواحي من خلال الوحي وطرق تلقيه ومكانه وتاريخ جمعه، وكيف نشأت رواياته المختلفة ورسمه.
فإخضاع النص القرآني للمنهج الفيلولوجي التاريخي قصد منه وضع قاعدة يمكن اعتمادها لوضع ترتيب زمني  لسور القرآن ويعترف نولديكه بأن الترتيب الذي يقترحه إنما هو ترتيب تخميني استند في وضعه إلى بعض المصادر العربية القديمة كما اعتمد على تاريخ الغزوات في زمن النبي (ص) "بدر" و "الخندق" و "صلح الحديبية" وأشباهها من المعارك لفهم تاريخ ما نزل من القرآن فيها، وجعل أيضا اختلاف لهجة القرآن  وأسلوبه الخطابي، دليلا آخر لتاريخ آيات القرآن .
أنكر نولديكه الروايات و الأحاديث و أقوال المفسرين و علماء المسلين في تاريخ القرآن وعلومه، ومع ذلك اعتمد في تقسيم السور على كتاب (أبي القاسم عمر بن محمد بن عبد الكافي) من رجال القرن الخامس الهجري وقام بإدخال بعض التعديلات عليه، وقسمه إلى قسمين مكي و مدني.. (34)
والحقيقة أن المستشرقين لم يستطيعوا تجاوز منهج علماء المسلمين في هذا الصدد وذلك باعتمادهم على الروايات، والأسانيد الإسلامية، في ترتيب سور القرآن..
المستشرق "جريم" رجع إلى تلك الروايات في دراسته لترتيب القرآن، وتحديد المراحل الزمنية المتعاقبة على نزول الوحي، وسلك نولديكه منهج آخر في ترتيب سور القرآن يتمحور حول الأسلوب، وحول المواضيع الإجتماعية و الدينية التي عالجها القرآن ومن هنا كانت محاولته تندرج ضمن الترتيب الموضوعي ولم يخرج عن التقسيم الذي قام به علماء المسلمين من تمييز بين المكي  والمدني، حسب المعايير الزمانية والمكانية، كما قسمه موضوعيا، إلى أقسام ثلاثة، التقسيم المكاني المتعلق بالفترة المكية حيث انصب ترتيب القرآن على أسلوبه الذي اخذ بعين الإعتبار قصر السور، ووحدة أسلوبها واختصار معانيها وخلوها من السجع وأضاف نولديكه لهذه الأقسام بيان القرآن الذي نزل بالمدينة.(35)
لقد إنبهر المستشرقون بطريقة نولديكه في الترتيب الزمني للقرآن فأخذوا بمذهبه فقد ساير "جريم" نولديكه في تقسيمه للسور المكية إلى ثلاث فترات وإن اختلف ترتيبه نوعا ما فلدى نولديكه 90 سورة  مكية و 24 سورة مدنية، أما جريم فلديه 92 سورة مكية و 22 مدينة.
أما وليام موير (Muir) فقد ضمن كتابيه "حياة محمد Life of Mohamed) والقرآن تكوينه و تعاليمه the Coran its composition and teaching) حيث وزع السور على خمسة مراحل ووضع ترتيبا زمنيا جاءت فيه 93 سورة مكية و21 سورة مدينة. (36)
واعتمد بلاشير في ترجمته للقران (1947) نفس ترتيب نولديكه و شفالي مع بعض الاختلافات الخفيفة. (37)
كما قام بلاشير في كتابه (مدخل إلى القرآن Introduction au Coran) بتلخيص النتائج التي توصل إليها نولديكه و تلامذته في هذا المجال . (38)
إن التصنيفات التي قامت بها المدرسة الألمانية للقرآن الكريم شغلت بال علماء الاستشراق فعلقوا عليها أخطر النتائج في الدراسات القرآنية ، وقد أثبت هذه التصنيفات بما لا يدع مجالا للشك استحالة تصنيف القرآن خارج المنهجية التي سلكها علماء المسلمين حول ترتب القرآن ترتيبا زمنيا صحيحا يفوق الترتيب الذي قامت به المدرسة الألمانية..(39)
إن المنهج الذي اعتمده علماء المسلمين يرتكز على الروايات المتوافرة و الأسانيد ثم على الاجتهاد دون النقل في التمييز بين السور المكية و السور المدنية، ثم رتبوا حسب تعاقبها في النزول وتوصلوا إلى مجموعة من المعايير لتمييز المكي من المدني، فالضوابط التي وضعها علماء المسلمين، في بيان السور المدنية وتحديد خصائصها فإنها تتلخص في كل سورة تتطرق إلى تفاصيل أحكام الحدود والفرائض والحقوق المدنية  والاجتماعية والدولية  والحربية وسائر ضروب العبادات والمعاملات، وأن كل سورة فيها دعوة لأهل الكتاب إلى الإسلام ومجادلتهم في عقائدهم ودعوتهم إلى عدم الغلو في دينهم فهي مدنية..(40)
إن تصنيفات المستشرقين القصد منها أن تكون مدخلا للطعن في صحة القرآن وتضارب تعاليمه و خضوعه لتقلبات الظروف الزمانية و المكانية و الموضوعية التي تعالج مشاكلها و أمالها.. (41)
 يركز المستشرق "لامس Lammens" في كتابه (الإسلام –L islam) على مسألة الأسلوب للتمييز بين المكي و المدني، فيرى بأن السور المكية تمتاز بإيجاز الأسلوب وتقطع في الآيات مع تقطع في الأنفاس، وهما يؤديان أحيانا إلى عدم اكتمال المعنى في الجملة الواحدة، ويتشابه أسلوب الشجع المميز بها  بأساليب الكهنة العرب، ووصفها ليوم القيامة بطريقة درامية مخيفة و إجمالا فإن الأسلوب الخطابي هو المسيطر  على القرآن المكي في الفترة الأولى أما في الفترة الثانية فيرى (لاماس) بانها تتميز بالأساطير الإنجيلية، وبإيراد قصص الأنبياء السابقين ومصير أقوامهم، كما أن السور أصبحت تطول و أصبح سجع الكهان أكثر وضوحا وتماثلا للنثر العربي، ويقول عن السور المدنية بأنه من السهل التعرف عليها و تمييزها عن السور المكية، سواء من حيث الشكل أو الموضوع، فمن حيث الشكل أصبح أسلوبها يقترب من النثري العادي وإبتعد أسلوب السجع المكي، كما أن النغم قد تغير عما  كان عليه  بمكة فأصبح أكثر تناسقا وإنصب الهجوم  في الفترة المدنية على اليهود والمنافقين كما إحتلت الخطب و الأوامر العسكرية مكانا بارزا. (42)
 وتناول المستشرق بلاشير مسألة جمع القرآن و تدوينه، ويرى أن التدوين لم يكن صحيحا تماما، فسقطت آيات كثيرة منه، كما أن أدوات الكتابة وما كان يكتب عليها، قد تم بدون ضبط، أو نظام، مما عرض بعضه للضياع..
ويزعم بأن المرحلة الثانية لتدوين القرآن بعد وفاة الرسول، أن الجمع لم يتجاوز ما كان في صدور الحفاظ..وبمبادرة شخصية، من بعض الصحابة و يعني ذلك أن جمع القرآن وتدوينه لم يتم بطريقة علمية صحيحة، إلا عند الخطوة التي اتخذها  الخليفة الثالث عثمان بجمع القرآن بطريقة منظمة وعلمية و أكثر شمولا، إلا أن غياب النقط والرسم أدت إلى اختلاف في قراءة النص..كما أن الأحرف السبعة وضعت من أجل الحفاظ على وحدة النص القرآني، ولم تؤدي إلى القضاء تماما على اختلاف القراءات.
ويذهب بلاشير  إلى أن المرحلة النهائية في تدوين النص القرآني تمت في العهد الأموي وذلك فيما يتعلق برسم القرآن ونقطه وقد اقتضى الأمر بعد ضبط القرآن حذف بعض الآيات التي تمجد عليا وأهل البيت لأسباب سياسية.(43)
     وفي نفس السياق قدم المستشرق جولد زيهر في كتابه (مذاهب التفسير الإسلامي) قراءة تحليلية تاريخية، لمذاهب التفسير الإسلامي للقران الكريم، في مختلف العصور محاولا استخلاص بعض الفرضيات..، الغاية من ورائها التشكيك في صحة النص القرآني ونقض ما هو مشهور و متداول لدى المسلمين  عن تاريخ القرآن. يقول" لا يوجد كتاب تشريعي اعترفت به طائفة دينية اعترافا عقديا، على أنه نص منزل أو موحى به، يقدم نصه في أقدم عصور تداوله مثل هذه الصورة من الاضطراب وعدم الثبات كما نجد في النص القرآني".(44)
     هكذا يتبين بوضوح الموقف المسبق وسوء النية، فوصف النص بالإضطراب وعدم الثبات ينم عن جهل بالتناسب البياني والنظم المعنوي و الصوتي في القرآن الكريم، كما  ركز على موضوع القراءات السبع، معتبرا أنها مظهر للتفسير القرآني، في صدر الإسلام، و أنها دليل على اضطراب النص و احتماله لأكثر من وجه، فخلط بين الأحرف والقراءات وربط الاختلافات في أوجه القراءات إلى الخط العربي و الرسم الذي كتب به المصحف العثماني..
      إن الرسم الذي كتب به المصحف هو الخط الرسمي المتداول العملي وقد تم تأليف لجنة مكلفة من الخليفة عثمان على رأسها (زيد بن ثابت) وكانت المهمة في جوهرها إخراج كتابي للنص القرآني من حرف واحد، موحد من أحرف النزول ( إنه حرف فيه تفاعل بني القحطانية و العدنانية ، لغة قوامها القريشية السائدة، إنما هو انتخاب لساني، يستبقي الأصلح و الأمثل،..وعن المصحف الإمام أخذت المصاحف جميعا وصار هذا المصحف برسمه وخطه ومنطوق حرفه هو المرجع قديما و حديثا عن كل بحث أودرس أو تاريخ للقرآن.(45).
وخلاصة القول أن الإضطراب هو الذي وقع فيه جولد زيهر و بلاشير وغيرهم من المستشرقين و ما قاموا به من إسقاطات على النص القرآني خارج إطار المنهج العلمي، والضوابط الصارمة التي وضعها علماء القرآن، سواء تعلق الأمر بتدوين القرآن أو رسمه وذلك وفق المنهج الذي يضع القواعد لقراءة القرآن قراءة صحيحة.
وإنما يعرف القرآن من كثر نظره و اتسع علمه، وفهم مذاهب العرب، وافتتانها في الأساليب، بحيث تكون عنايته بالكلام على حسب الحال  و قدر الحفل، وكثرة الحشد وجلالة المقام.( 46)
إن منهج النفي الذي اتبعه هؤلاء كان الغرض منه نفي الحقائق والوقائع المرتبطة بنزول القرآن الكريم، وذلك من خلال إثارة الشكوك إلى حد إلغاء.
ويقول في هذا الصدد " اميل درمنغهم Dermenghem) في كتابه "حياة محمد" لقد غالى بعض هؤلاء المتخصصين من امثال (موير و مرجليوت و نولديكه و سبرنجر ودوزي وغريم وجولد زهير)  وغيرهم، في النقد أحيانا، فلم تزل كتبهم عامل هدم و نفي على الخصوص و لا تزال النتائج التي إنتهى إليها المستشرقون سلبية وناقصة (47).
 ولعل أبلغ مثال على التخبط والقصور في معالجة المستشرقين للنص القرآني، من زوايا النظر المتعددة..، ما انتهى إليه ريتشارد بل (R.Bell)من نتائج بعد أن خاض فيما اسماه بالترتيب النقدي لسور القرآن، فقد  تراجع  لإقراره لصعوبة الترتيب الشامل لسور القرآن ترتيبا زمنيا، كما تراجع أيضا عن أطروحته التي تركزت على الأسلوب بإعتباره المعيار الأدق في التوصل إلى تاريخ تقريبي للسور، إلا أن المتأمل للأطروحات الاستشراقية حول القرآن سوف يدرك من غير عناء أن القصور يكمن في المنهج الفيلولوجي التاريخي الذي اعتمدته المدرسة الألمانية و تطبيقه قواعده، بتعسف على النص القرآني، دون مراعاة لطبائع النص ولخصائصه الأسلوبية، وما تنطوي عليه ألفاظه من معاني عميقة و خصائص معرفية وتجليات روحية.
لقد ذهل المستشرقون عن كل هذه الحقائق وذهبوا يلهثون وراء تحليل الألفاظ والمفردات و تفكيكها و مقارنتها باللغات السامية بحثا عن حجة، تفند صحة وحقيقة النص القرآني، فالمعضلة إذن ناتجة عن عدم اختيار المنهج الأشمل الذي يمكن من فقه مختلف الأبعاد دفعة واحدة، (فالعبرة بطريقة الدلالة لا بالدلالة نفسها).
فالمنهج هو الذي يرسم ملامح وحدود المعنى، وليس مجرد البحث عن الدلالة عينها.(48)
المنهج هو قواعد للتفكير وضوابط للبحث تعصم الذهن من الوقوع في الخطأ إذا مارس التفكير، وتقوده لبناء المقدمات الصحيحة للوصول بها إلى النتائج السليمة.
والمناهج إنما هي الطرق أو الأدوات أو العمليات الذهنية التي تستخدم في التفكير وفي السعي للوصول إلى الحقيقة المعرفية، ويتوسل الباحثون بها إلى تحليل المعلومات، وجمع الحقائق و تفسيرها و فهمها إضافة إلى القدرة الإدراكية على تحديد خواص الخطاب ووسائله وأساليبه.
ومن هذا المنطلق فان الخطاب القرآني يتمثل فيما بين دفتي المصاحف من سور وآيات تدل عليه الألفاظ المضمنة في آياته فكأن الآيات دال و المعنى مدلول عليه، فالمعنى والمدلول هما المعرفة أو الوعاء المعرفي الذي نسعى للوصول إلى المعرفة الكامنة فيه والكشف عنها. 
والألفاظ هي علامات الإشكال الصوتية، و الإيقاعية للمعنى، و اللفظ علامات دالة على ذلك المعنى بمستويات مختلفة، ومهمة المنهج توظيف ما يحتاجه منها باعتبارها وسائل و أساليب للوصول إلى المعنى و إلى الحقيقة الكامنة فيه، التي تجعل اللفظ علامة دالة عليه فللفظ قواعد مضبوطة في التعبير عن المعنى لا يجوز إغفالها و من خصائص النص القرآني انه جمع فنون المعاني و الحقائق، و يتميز أيضا بوحدته البنائية والتنظيمية و ترتيبه التوقيفي فهو كتاب عقيدة و شريعة يخاطب الضمير ويحث على التفكير والتدبر والنظر وقد قام ابن رشد باستنطاق المعنى المجازي عبر عملية التأويل في الإطار الكلي لمضامين القرآن الكريم، ويعتبر مبدأ الكلية من أهم مرتكزات علم التأويل. (49)
ويعتبر المنهج من الكليات لأنه يجمع بين القراءتين (قراءة الوحي، و قراءة الكون)إن فهم القرآن يتجدد بفهم مصطلحاته و مفاهيمه وفق الرؤية الكونية و الحضارية.
التي تنطلق من رحابة المعتقد و اتساع دائرته و سموه الأخلاقي و هو الذي يجعل للعقيدة الإيمانية مهمة عالمية و إنسانية.
فالقرآن يحرر الإرادات الاجتماعية، من كل العوامل التي تكبلها و تمنع انطلاقها في  أفاق أرحب، إن الدور الكوني للإنسان مرتبط بفهم العلاقة بين الوحي و التاريخ..، ويتجلى ذلك في المنهج القرآني، الذي يربي النفوس وينظم النشاطات و يقوم السلوكات ويصلح العلاقة بين الكائن الإنساني و الكون الذي يعيش فيه، وما قد يشجر في العلاقة بينهما.
فالدين من لوازم الحياة البشرية، ومنه يستمد الإنسان معنى الحياة و موضوع الوحي صلاح العقيدة الذي تستمد منها الجماعات البشرية حاجتها من الدين الذي لا غنى عنه والذي يسمح بالحركة الدائمة مع ثباته كما تسمح النواميس الكونية.
ان تجديد المعنى والفهم للقرآن الكريم، يؤشر إلى مواكبة الشرع للحياة، واستعصائه على التقادم و استجابته لمقتضيات حركة الزمن  وكل من سبر أغوار البنية الداخلية للنص فإنه يحيط بكل اضاءات المعنى الأمر الذي يسمح ببلورة نظرية معرفية،  تتيح إمتلاك حس إجتهادي فقهي متسق مع روح المقصد القرآني العام..( 50)
القرآن كتاب يرسم منهجا للحياة و يخاطب العقل والقلب وهو دستور الدعوة الإسلامية وروحها وباعثها وحارسها، و ترجمانها، يربط بين قواميس الكون و نواميس الفطرة في تناسق تام يقول الأديب الرافعي في كتابه ( إعجاز القرآن) بان الطاعنين في القرآن الكريم يجهلون اللغة العربية و أسرار البيان وجهلهم هو الذي أضلهم و جعلهم يرون القرآن كلاما يجرون عليه الحكم الذي على غيره كما يظن الجاهل الذي ليس في نظره معان عقلية كل صورة ككل صورة  وكل حصاة ككل جوهرة..
وغني عن البيان أن العلم القرآني  يتطلب قاموسا " لسانيا معرفيا" يستند  إلى تجديد دلالات الألفاظ فالمرجعية المعرفية تحيل إلى ثلاثة أمور في عملية توصيل دلالات المفردة، فهناك الكلمة وهناك الأمر الذي يشير إليه وهناك التصور العقلي المشكل عن هذا الأمر في الذهن، وذلك خلافا للتصور التقليدي لفقه اللغة والمعاني..
 فاللغة إذن ليست مجردة كلمات دالة على مسمى، دون وسيط مشكل للتصور الذهني، فالكلمة تستدعي تصورا معينا مقيد في دلالته ..
 والقرآن ينحو في دلالة المفاهيم إلى الضبط  على غير ما هو سائد وشائع ..
 ومن ثمة فإن عدم إدراك الخصائص المعرفية للخطاب القرآني ستقود حتما إلى الخلل في دلالات الألفاظ والمعاني، وبالتالي  إلى ما هو أخطر وهو نفي  عالمية الدين، وحقيقة الشريعة والمنهاج .. (51)
وقد سعى  مفكرو الاستشراق إلى نفي حقيقة الوحي المحمدي وذلك من خلال قراءات وأطروحات  " تؤنسن" النص القرآني أي أنهم يحاولون إرجاع النص الإلهي  إلى نص  إنساني، كما يقومون   ب" أرخنة " النص أي يجعلونه نصا زمنيا، بحيث تفقد الأحكام الواردة في القرآن قيمتها الإجرائية فضلا عن  قيمتها التشريعية..
  كما يتناولون النص من منظور "عقلاني" يرفض كل ما يتجاوز العقل المجرد من مضامين ودلالات غيبية.
 وهكذا يرد النص القرآني إلى ما هو بشري وعقلي وتاريخي، بحيث يصبح مجرد نص من إنتاج  العقل العربي.. (52)
إن  المنهجية القرآنية ترجع  الأفكار والاتجاهات ومحتوى الثقافات إلى أصولها البنائية، التي تحدد دلالتها، وذلك بضبط العلاقة بين البناء اللفظي وتركيبه ..
 فالمنهجية تعطي المعنى الناظم الكلي لأفكار وأشكال الوعي والمعرفة، وإيجاد قواعد للتفكير وذلك انطلاقا من وحدة الكون الطبيعية والإنسانية معا. (53)
لهذا قرن الوحي المنهج بالشرعة ( شريعة تنظم الحياة وتحقق العدل بين الناس..) .
 فالوحي إذن شريعة مقترنة بمنهاج، يوضح ويبين طريقة تطبيقها وتشكيل الحياة بمقتضاها بجوانبها كلها، بحيث يعصم الذهن من الخطأ في التفكير ويلهمه بناء مقدمات صحيحة للوصول إلى نتائج سليمة..
لقد أطلق القرآن العقل البشري من عقاله وحرره من سلطان الكهانة والسحر، ومنحه القدرة والجرأة على التفكير والاجتهاد والإبداع..
الهوامش:

  1. العقيدة و الشرعية ايجانس جولدزيهر، ترجمة محمد يوسف موسى و آخرون، المركز القومي للترجمة ، ط: 2013/ العنوان الأصلي للكتاب، (محاضرات في الإسلام) ص:4
  2.  يرجع إلى ترجمة الدكتور أنيس عبد الخالق محمود: المستشرقون للأستاذ جان دي جاك وارد نيرغ، نقلا عن موسوعة الإسلام الطبعة الثانية(Encyclopedia of Islam).
  3. د- عبد الرحمان بدوي ، دفاع عن القرآن ضد منتقديه- المدبولي الصغير- ط1، ص: 7.
  4. د. حسن عزوزي : آليات المنهج الاستشراقي في الدراسات الإسلامية، ط: 1، 2007، ص: 16-17.
  5. د. محمود حمدي زقزوق (الاستشراق و الخلفية الفكرية للصراع الحضاري ) كتاب الأمة، ط: 1، ص: 77.
  6. دفاع عن القرآن مصدر سابق، ص: 8
  7. د. ساسي سالم الحاج، نقد الخطاب الاستشراقي في الظاهرة الاستشراقية وأثرها في الدراسات الإسلامية ،  جزء1، دار المدار الإسلامي 2002، ص: 169
  8. المصدر السابق، ص:165
  9. نفس المصدر السابق، ص: 283
  10. نفس المصدر السابق، ص: 270
  11. نفس المصدر السابق، ص: 292
  12. نفس المصدر السابق، ص: 299
  13. نفس المصدر السابق ص: 300
  14. نفس المصدر السابق ص: 303
  15. عباس محمود العقاد / حقائق الإسلام و أباطيل خصومه دار الكتاب العربي ط:3/ 1966/ص: 389.
  16. الشيخ محمد فاضل بن عاشور / ومضات الفكر / الدار العربية للكتاب ط:1/1982 ص: 21
  17. المصدر السابق ص: 23
  18. المصدر السابق ص: 15
  19. عباس العقاد، الفلسفة القرآنية ص: 28.
  20. د. محمد عبد الله دراز مدخل إلى القرآن ترجمة محمد عبد العظيم على دار العلم ط: 5، 2003، ص: 15.
  21. نولدكيه تاريخ القرآن، نقله إلى العربية جورج تامر منشورات دار الجمل، ط: 1، 2008، ص: X
  22. المصدر السابق، ص:XI
  23. دفاع عن القرآن، ص:27
  24. المصدر الساق، ص: 28
  25. المصدر السابق ص: 42
  26. المصدر السابق، ص: 50
  27. د. محمد المنتار : خصوصية النسق المفهومي القرآني مجلة الأحياء عدد 27، فبراير 2008.
  28. دفاع عن القرآن ص: 17-18
  29. المصدر السابق ، ص: 21
  30. محمد الغزالي: كيف نتعامل مع القرآن في مدارسة مع عمر عبيد حسنة، نهضة مصر، ط: 2، 2002، ص: 12.
  31. رضوان السيد، جوانب من الدراسات الإسلامية الحديثة نشر الفنك ط: 1، 2000، ص: 10
  32. نولديكه تاريخ القرآن ص:11
  33. المصدر السابق، ص: xxvII
  34. تاريخ القرآن تأليف أبي عبد الله الزنجاني دار المعارف للطباعة  والنشر تونس، 2012، ص: 114
  35. نقد الفكر الاستشراقي مصدر سابق، ص: 345
  36. دفاع عن القرآن مصدر سابق، ص: 119
  37. تجدر الإشارة إلى أن بلاشير رجع إلى ترتيب المصحف في طبعة 1956 انظر: R.Blachére : le coran/ ed maison neuve –larose / et 2005
  38. R.Blachére introduction au coran/ ed maison neuve –1991/P :VIII.
  39. د. صبحي صالح مباحث في علوم القرآن، دار العلم للملاين ط: 16 ، 1985، ص: 180
  40. المصدر السابق، ص: 183
  41. نقد الاستشراق مصدر سابق، ص: 345
  42. المصدر السابق، ص: 350-349
  43. المصدر السابق، ص: 318-319، يرجع كذلك فصل: la science des lectures et la fixation définitive de la vulgate. R.blachere- introduction au coran-op-cit-p :112-135.
  44. جولد زيهر، مذاهب التفسير الإسلامي ترجمة د.عبد الحليم النجار، دار اقرأ، ط:5 1992، ص: 4
  45. الشيخ أمين الخولي: عن القرآن الكريم، في التنوير الإسلامي، 51 نهضة مصر، 2000،ص: 45-46
  46. ابن قتيبة أبو محمد عبد الله بن مسلم، تأويل مشكل القرآن، ط: 2، دار التراث 1973، ص: 12
  47. آليات الاستشراق في الدراسات الإسلامية مصدر سابق، ص: 45.
  48. حسن باير، المقاصد الكلية للشرع و مناهج التفسير مؤسسة الفرقان سلسلة المحاضرات 4 ط/1، 2007، ص: 17.
  49. المصدر السابق، ص: 36
  50. المصدر السابق، ص: 43-44.
  51.  محمد أبو القاسم الحاج حمد، منهجية القرآن المعرفية دار الهادي، الطبعة1 -2003 ص98-99.
  52. د. طه عبد الرحمن ، الحوار أفقا للفكر، الشبكة العربية للأبحاث والنشر، الطبعة 1-2013 ، ص 160-161.
  53. منهجية القرآن المعرفية، مصدر سابق، ص 336.
 
أضافة تعليق